كلمة رئيس الحكومة خلال قمة اعتماد اجندة التنمية لما بعد 2015

28 الاثنين سبتمبر 2015
0 بايت

السيّد الأمين العام،  

أصحاب السموّ والفخامة،

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات السيدات والسادة،

يسعدني في مستهل هذه الكلمة أن أتوجّه إلى السيد "بان كي مون" الأمين العام للأمم المتحدة ومن خلاله إلى كافّة الهياكل الأممية المتخصصة في مجالات التنمية المستدامة بأخلص عبارات الشكر والتقدير على الجهود المبذولة في سبيل بلوغ الأهداف الإنمائية للألفيّة وعلى المساعي الحثيثة في اتجاه وضع أجندة للتنمية لما بعد سنة 2015، من شأنها الإسهام في تحقيق طموحات البشرية قاطبة في الرفاه والأمن والعيش الكريم في بيئة سليمة ومتوازنة في إطار شراكة دوليّة متضامنة من أجل تحقيق التنمية المستدامة للجميع.

كما لا يفوتني أن أعبر للسيد "Sam Kahamba Kutesa"، رئيس الدورة التاسعة والستين للجمعيّة العامة للأمم المتحدة، عن خالص تقديرنا لدعمه الثابت لمسار المفاوضات الحكوميّة وللسيدين "Macharia Kamau" و"David Donoghue"، المبعوثان الدائمان لدى منظمة الأمم المتحدة بنيويورك لكل من كينيا وايرلندا، لما بذلاه من جهود قيمة للتقدم بنجاح في المفاوضات الخاصة باعتماد أجندة التنمية لما بعد سنة 2015 والوصول بنا بسلام إلى هذه المرحلة من تتويج لكافة المسارات التمهيديّة التي سبقت انعقاد هذه القمّة. 

وإنه لمن دواعي الاعتزاز أن أشارككم اليوم فعاليات هذه القمّة الاستثنائية  التي دعت إليها الأمم المتحدة في خطوة تاريخيّة تترجم مدى تنامي الوعي المشترك بمحورية قضايا التنمية ومدى ارتباطها بتطلعات البشرية إلى التمتع بحقوقها الكونية كاملة دونما تمييز أو تفرقة بما يتيح للفرد فرص العيش الكريم في كنف الرفاهية والأمن والتنمية المتكافئة.

حضرات السيدات والسادة،

لقد اعتمدت تونس سياسة تنموية مسايرة لتطور المجتمع وللتغيرات المتسارعة التي يشهدها، ترتكز على تلاؤم العلاقة بين الأبعاد السكانية والتنموية والبيئيّة   ودمج عناصرها ضمن الخطط التنموية والسياسات القطاعية التي تأسست على ترسيخ مقومات الاستثمار في العنصر البشري والنهوض بأوضاع المرأة وتعزيز التكافؤ بين الجنسين ووضع الأطر التشريعيّة وإحداث المؤسسات والآليات الراعية للأسرة والمرأة والشباب والطفولة والمسنين وذوي الاحتياجات الخصوصية وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والاجتماعي.

وإن نجاح تونس في تحقيق معظم الأهداف الإنمائية للألفية يعكس المجهودات الوطنية المبذولة في هذا الإطار  ومدى تفاعلها مع المساعي الدولية الرامية إلى رفع التحديات التنموية. واستنادا إلى التقارير الأمميّة ذات الصلة، فقد تمكنت تونس من التقليص إلى النصف من عدد السكان الذين يعيشون تحت خطّ الفقر ونشر التعليم والتقدم نحو تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة وتقليص نسبة وفيات الأطفال دون سنّ الخامسة ومكافحة "السيدا" والتدرج في دمج الأبعاد الايكولوجية ضمن المقاربة التنموية الوطنية، مع الانخراط في المسارات الدولية الرامية إلى الرفع  من مستويات التنمية.

 إلا أن هذا النجاح يبقى نسبيّا في ظل استمرار تسجيل عديد النقائص و الهنات وأبرزها ضعف مستويات التنمية في الجهات الداخليّة للبلاد واستفحال البطالة، خاصّة  في صفوف حاملي الشهادات العليا، وما لها من تداعيات سلبية على النمو الاقتصادي وتأثيرها على قدرة الدولة على الاستجابة للمطالب الاجتماعية الملحّة التي تعكس مدى تطلع شعبنا إلى الرقي والتقدم.

وعلى الرغم من ثقل التحديات المطروحة والصعوبات الاقتصادية الظرفيّة الناجمة عن مخلّفات الوضع الانتقالي الذي مرّت به بلادنا، فقد اهتدت تونس ما بعد الثورة إلى اعتماد إصلاحات مكّنت من تثبيت مبادئ الجمهورية وإرساء القيم الأساسية للديمقراطية وحقوق الإنسان التي تمّ تكريسها بمقتضى دستور الجمهورية الثانية الذي جاء ضامنا للحقوق والحريات، مكرسا لتكافؤ الفرص  بين الفئات والأجيال والجهات، مؤكدا على المحافظة على مكاسب المرأة ودعم مشاركتها السياسية وعلى القضاء على  كافة أشكال التمييز تجاهها.

واعتبارا لحجم التحديات المطروحة، نسعى إلى اعتماد نهج إصلاحي شامل يستند إلى رؤية وطنيّة تجري بلورتها في إطار منوال تنموي للخماسية القادمة، يأخذ بعين الاعتبار تقييمات الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد ونتائج المسح السكاني الذي أجري خلال سنة 2014 ويقوم على تحقيق أقصى قدر ممكن من العدالة الاجتماعية من خلال التمييز الايجابي للجهات والفئات التي همّشت في إطار المنظومات السابقة، مع العمل على تحفيز الشباب وتدعيم روح المبادرة الفردية وتشريك القوى النسائية الفاعلة في إدارة الشأن العام.

حضرات السيدات والسادة،

لقد انخرطت تونس منذ البداية في المسارات التمهيديّة لاعتماد أجندة جديدة للتنمية لما بعد سنة 2015 في مواصلة لمسيرة الأهداف الإنمائية للألفيّة. وفي هذا السياق، سعت من منطلق عضويتها لفريق العمل المفتوح حول أهداف التنمية المستدامة  إلى المساهمة الفاعلة في مداولاته، فضلا عن المشاركة البناءة في المفاوضات الحكوميّة الرامية إلى رسم أهداف التنمية المستدامة للفترة 2016-2030 ومواكبة جل التظاهرات الدوليّة والإقليمية المتّصلة بمسألة التنمية المستدامة بمختلف أبعادها.

كما اتخذت تونس عديد المبادرات على المستوى الوطني في إطار تفاعلها مع المسارات الدوليّة والإقليميّة في المجال. من ذلك تنظيمها لعدد من الاجتماعات واللقاءات التشاوريّة على المستويين المركزي والجهوي وإعداد سبر آراء بالتعاون مع الهيئات الأمميّة المتخصصة تحت مسمّى "تونس التي نريد"، عبّر من خلاله ما يزيد عن عشرة آلاف تونسيّ وتونسيّة عن مشاغلهم وتطلعاتهم نحو تحقيق النقلة التنموية على الصعيد الوطني في أفق سنة 2030.

وفي نفس الإطار، تمّ اختيار تونس من قبل الجهات الأمميّة المختصّة لتحديد واختبار ونشر هدف من أهداف التنمية المستدامة حول الحوكمة ودولة القانون وذلك بالنظر  لما تحقق لتونس ما بعد الثورة من تقدّم على درب الانتقال الديمقراطي وترسيخ التعددية ومقومات الحكم الرشيد. 

ولئن عبّرت تونس خلال المسارات التمهيديّة لهذه القمّة عن مواقفها من المسائل التفاوضيّة، فإننا نجدد التأكيد على أهميّة الأخذ بعين الاعتبار لمشاغل الدول النامية والأقل نموا ضمن مقرّرات هذه القمّة وضمان إسهامها الفعلي في الحد من الفوارق بين دول الشمال ودول الجنوب والرفع من مستويات التنمية في هذه البلدان وتعزيز التعاون البيني في مختلف المجالات خدمة للمصالح المشتركة.  

وإن اعتقادنا لراسخ أن مجابهة عديد الآفات التي باتت تعاني منها عديد المجتمعات، المتقدّمة منها والنامية، وخاصّة منها الإرهاب وانعدام الأمن واحتدام الصراعات الطائفيّة والعرقية، ينطلق عبر العمل الجدّي المشترك على النهوض بالأوضاع التنموية، لا سيما في المناطق الأكثر حساسية والأقلّ نموّا ومنها بالخصوص القارّة الإفريقية التي، وعلى الرغم ممّا تزخر به من ثروات ومقومات، لا تزال تعاني من آفات اجتماعية واقتصادية وصحّية عديدة.

ولئن تشيد تونس بما انبثق عن المؤتمر الدولي الثالث لتمويل التنمية بأديس أبابا  من نتائج من شأنها دعم تنفيذ خطّة التنمية لما بعد سنة 2015، فإنها تجدد التأكيد على أهميّة إيفاء الدول المتقدمة بتعهداتها في مجال المساعدة من أجل التنمية وعلى ضرورة إيلاء العناية اللازمة لكافة الجوانب المتصلة بتحقيق التنمية المستدامة.

وإن تأكيدنا على أهميّة تطبيق هذا المبدأ ينسحب أيضا على المفاوضات الجارية حول تبني اتفاق دولي حول المناخ بباريس في موفى السنة الحالية. وإننا إذ نرحّب بالجهود المبذولة في سبيل تحقيق توافق دولي من أجل الحد من تداعيات التغيرات المناخية على البيئة والمحيط وضمان حق الأجيال القادمة في بيئة سليمة، فإننا نؤكد في هذا السياق على أهمية تبنّي مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية حول التغيرات المناخيّة  الـ 21  لخارطة طريق في مجال توفير الدعم المالي ونقل التكنولوجيا ودعم القدرات لفائدة الدول النامية.

ومن منطلق قناعتنا الراسخة بضرورة تنسيق التحرك وتضافر جهود كافة مكونات المجموعة الدوليّة من أجل الحد من تداعيات التغيرات المناخيّة، فقد سارعنا تماشيا مع التوصيات الأمميّة في المجال بالإيفاء بالتزاماتنا من خلال إعداد "مساهمتنا المقررة والمحددة وطنيّا" وتوجيهها إلى أمانة الاتفاقية الأمميّة لتغيّر المناخ والتي تنضوي على مجمل البرامج والأهداف الوطنيّة في مجالي التخفيف والتأقلم من أجل بيئة أكثر استدامة ومحيط أكثر سلامة للأجيال القادمة.

حضرات السيدات والسادة،

إن ما تم التوصل إليه من توافق حول مضامين خطّة التنمية المستدامة لسنة 2030 يعكس مدى شموليّة هذه الخطّة وتكامل أهدافها ومدى استجابتها لتطلعات مختلف الأطراف المعنيّة.

وإن تناول خطّة التنمية لمواضيع مقاومة الفقر كأكبر تحد مرحليّ ونشر التعليم والصحة وحماية الكوكب والحد من تداعيات التغيرات المناخيّة ومكافحة التصحر وتدهور الأراضي ودعم الفلاحة والتجارة والصناعة المستدامة وبسط الأمن وتحقيق السلام وتكريس ثقافة حقوق الإنسان، ليقيم الدليل على مدى اتساع نطاق الأهداف والغايات المدرجة صلب هذه الخطّة ومعالجتها للأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة.

حضرات السيدات والسادة،

إن تحقيق الأهداف والغايات المدرجة ضمن خطّة التنمية لما بعد سنة 2015   يبقى رهن مدى جديّة كافة مكونات المجتمع الدولي في تنفيذ هذه الأهداف وترجمتها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع بما من شأنه تحقيق التنمية المستدامة للجميع  دون إقصاء أو تهميش. 

و ستحرص تونس على وضع الأطر والآليات الخاصّة بمتابعة تنفيذ هذه الأهداف بالاشتراك مع كافة الفاعلين في هذا المسار من حكومة ومجتمع مدنيّ ومنظمات دوليّة في إطار من الشفافيّة والمصداقيّة والجديّة.

ختاما، لا يسعني إلّا أن أجدد شكري لكافّة مكوّنات المجموعة الدوليّة على التفاعل الإيجابي مع تطلعات البشرية قاطبة للتنمية والازدهار والرقيّ وعلى روح التوافق التي رافقت إعداد خطّة التنمية لسنة 2030.

   أشكر لكم حسن الإصغاء مع تمنياتي الخالصة بنجاح أشغالنا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.