كلمة رئيس الحكومة بمناسبة الإحتفال باليوم العالمي للمرأة

8 الأربعاء مارس 2017
0 بايت

بمناسبة احتفال تونس مع سائر الدول باليوم العالمي للمرأة، أشرف رئيس الحكومة يوسف الشاهد صباح اليوم بقمرت على أشغال الندوة الوطنية حول المرأة تحت عنوان "المرأة في تونس: من التمكين القانوني إلى التمكين الإقتصادي"، بحضور وزيرة المرأة والأسرة والطفولة، ووزير الشؤون الإجتماعيّة وممثلين عن منظمتي الشغالين والأعراف، ورئيس الهيئة العليا للإتصال السمعي البصري.

وقد أدلى رئيس الحكومة بالمناسبة بكلمة ورد فحواها كالتالي:

 

حضــرات السيدات والسّادة،

معــالي الوزراء،

أصحــاب السّعادة،

باسمي الخاص وباسم رئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السبسي، يسعدنا أن نلتقي هذا اليوم بمناسبة الإحتفاء باليوم العالمي للموافق لـ 08 مارس من كلّ سنة، وأغتنم هذه المناسبة لأتوجّه بخالص التهاني لكلّ النساء في العالم لعطائهنّ اللاّمتناهي واللاّمشروط من أجل ترسيخ القيم الإنسانية للحقوق الإنسانية، وتعدّ هذه المناسبة موعدا متجدّدا للوقوف على مدى ما تحقّق للمرأة من مكاسب قانونيّة وسياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة، وتأكيدا على دورهنّ الأساسي في بناء الأوطان وتربية الأجيال ودعم التنمية،

إنّ إحياء اليوم العالمي للمرأة تحت شعار " المرأة في عالم العمل المتغيّر: تناصف الكوكب ( 50/ 50) بحلول عام 2030"، يعكس ما يعرفه الوضع الراهن من هشاشة الإستقرار الإجتماعي والسياسي والإقتصادي في جلّ بلدان العالم وإن كان بمستويات مختلفة، ولعلّ اختيار هذا الشعار يأتي من اعتراف جماعي بأنّه لا بناء دون المساهمة المتوازية والمتناصفة بين النساء والرّجال، وعلى جميع الأصعدة.

إن تاريخ تونس في المراهنة على المرأة يعود إلى عقود مضت، وإلى فترة ما قبل بناء الجمهوريّة الأولى، فقد اعتمد روّاد هذا الوطن منهجا اصلاحيا حداثيا يحفظ لكلّ فرد كرامته ويمكنه من حقوقه المشروعة ويثمّن دوره في تحقيق التنمية.

وجاءت بذلك مجلّ الأحوال الشخصيّة كأوّل قانون يصدر بعد الإستقلال في أوت 1956، وهي مجموعة القوانين التي تنظم العلاقات داخل الأسرة، وما لهذه المجلّة من جميل الأثر على المجتمع التونسي في التنمية البشرية التي هي الثروة الوحيدة التي ينهض عليها اجتماعيا واقتصاديا.

 

حضــرات السيدات والسّادة،

تتواصل الإصلاحات والتعديلات إلى أن جاء دستور الجمهورية الثانية ليكرّس مبدأ المساواة بين الجنسين، ويناهض التمييز ضد المرأة، إذ نصّ الفصل ( 46) منه على التزام الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة والعمل على دعمها وتطويرها، ونصّ أيضا على أنّ الدولة "تضمن تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمّل مختلف المسؤوليّات وفي جميع المجالات، وأنها تسعى إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرّجل في المجالس المنتخبة"، كما "تتخذ التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضدّ المرأة".

 

حضــرات السيدات والسّادة،

إن وضع المرأة بين ما توفر من تشريعات وآليات مختلفة وما نراه على أرض الواقع من مؤشّرات مشاركتهنّ الفعليّة في عديد المجالات لا ترتقي لمكانة وطموح المرأة التونسيّة والمجتمع التونسي بأسره، وهو ما يبرز وجوب بذل الحكومة جهود اضافية من أجل تحقيق ما ورد بالدستور، فتمكين المرأة لا زال في نسب غير مرضية على جميع المستويات رغم عدم وجود موانع تشريعيّة أو تمييزيّة ضدّها، من ذلك أنّ نسب البطالة لدى الإناث لا زالت تناهز ضعف نسبة البطالة لدى الذكور، كما أنّ مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار وتواجدها في الجهاز التنفيذي على المستوى المحلي أو الجهوي أو الوطني لا زالت بعيدة عن التناصف، وهو ما سنعمل على تعديله.

وسواء كانت المرأة في الوسط الحضري أو الوسط الريفي فإنها لا تزال تعيش عدم المساواة على مستوى البطالة والأمية والإنقطاع المدرسي والعنف المسلّط عليها في القضاءين الأسري والعام، وما زالت تعاني من ثقل عبء التوفيق بين حياتها المهنية وحياتها الأسرية.

وهو ما جعل حكومة الوحدة الوطنيّة تعمل فق نظرة شموليّة مندمجة من أجل تقليص الهوّوة بين المرأة والرجل، وتسعى للقضاء على الإشكاليات التي تعيق التمكين الشامل للنساء بما يجعلها تنعكس إيجابا على التنمية الإجتماعيّة والإقتصاديّة ككلّ.

ولهذا الغرض تمّ تأسيس "مجلس النظراء للمساواة وتكافؤ الفرص بين المرأة والرّجل، والذي أصدرنا مؤخّرا القرار المتعلّق بتسمية أعضائه، وهو آلية قانونيّة هامة تهدف إلى القضاء على جميع أشكال التمييز وتحقيق المساواة.

كما تندرج مسألة التمكين الإقتصادي للمرأة ضمن أولويّات توجهات الحكومة، حيث تبيّن في السنوات الأخيرة أنّ المرأة التّونسيّة تشكو من التهميش في مجال الإندماج الإقتصادي، إذ تبلغ نسبة النساء المشتغلات 28.6 بالمائة، وهي نسبة ضعيفة مقارنة بنسبة تواجد الفتيات في التعليم العالي وعدد الخريجات المتحصلات على شهائد عليا.

لذلك تمّ وضع برامج واستراتيجيات متوسطة وطويلة المدى لدعم مشاركة المرأة في إدارة الشأن العامّ والرفع من تشغيليتها ودعم المبادرات الإقتصادية النسائيّة في الوسطين الحضري والريفي.

وفي هذا المجال يجب أن تتضافر جهود الهياكل الحكومية المعنيّة والقطاع الخاص ومكونات المجتمع المدني لإنجاح البرنامج الوطني لتدعيم المبادرة الإقتصادية النسائية، والذي تتمثّل أهدافه في مرافقة الباعثات في جميع ولايات الجمهوريّة لإحداث وتطوير مشاريعهنّ ومؤسساتهنّ.

كما سيتمّ العمل على تعزيز وتنمية ثقافة المبادرة والإقتصاد الإجتماعي التضامني لدى الخرّيجات الشابات، وخاصة في المناطق ذات أولويّة التدخّل إلى جانب دفع التمكين الإقتصادي للفئات النسائيّة المهمّشة وذوات الحاجيات الخصوصيّة.

إنّ مناهضة التمييز والعنف ضدّ النساء هو الضامن الأساسي لتحقيق السلام الأسري والمجتمعي الذي نطمح إليه، ولذلك تم وضع مشروع القانون الأساسي لمكافحة العنف ضدّ المرأة هو الآن في انتظار مصادقة مجلس نواب الشعب، وهذا خطوة هامة للقضاء على الأشكال العديدة للعنف المبني على النوع الإجتماعي، والذي له آثار وخيمة على الأسرة والمجتمع إلى جانب الكلفة الإقتصاديّة الكبيرة.

وإيمانا بضرورة تدعيم آليات التوفيق بين الحياة المهنيّة والأسريّة، وأهميّتها في تمتّع جميع أفراد الأسرة بحياة كريمة وبالرفاه الإجتماعي وببناء خليّة أسرية متوازنة، وتفاعلا مع مقترح مبادرة تشريعيّة قامت بها لجنة المرأة بمجلس نواب الشعب فقد أعطينا الإذن بوضع لجنة تدرس مشروع مراجعة وتعديل عطلة الأمومة والأبوّة وعطلة ما قبل الولادة، ممّا يمكّن المرأة من عطلة مدفوعة الأجر قبل الولادة، ضمانا لصحتها وصحّة جنينها، إلى جانب تمكين أحد الوالدين على حدّ السّواء من عطلة ما بعد الولادة، تفعيلا لدور الأب في الإعتناء بمولوده.

كما سيتمّ العمل على تدعيم خدمات الجوار من محاضن ورياض أطفال، والعمل على تلاؤم التوقيت المدرسي والتوقيت المهني للوالدين بما يضمن إعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة.

إنّ المرأة الريفيّة في قلب اهتماماتنا بالنظر لأهميّة الدور الذي تلعبه على جميع الأصعدة، ذلك أن جزء هامّا من النساء والفتيات الريفيات تضطلعن بدور استراتيجي في تحقيق الأمن الغذائي وفي حماية المناطق الريفيّة من التصحّر البيئي والسكّاني.

كما أنّ 79 بالمائة من الناشطات في القطاع الفلاحي هن معينات عائليّات عملهنّ غير محتسب لأنه غير مدفوع الأجر رغم أنهن يساهمن بصفة كبيرة في رفع مستوى عيش أسرهنّ ومقاومة الفقر، ورغم ذلك فإنهنّ يكابدن ظروفا قاسية ويشكين من ضعف التمتع بالخدمات وبالإمكانيات المتاحة وللظروف المخجلة التي تتنقلن فيها لعملهنّ كعاملات فلاحيات، والتي لا تحترم أبسط مقومات الكرامة الإنسانيّة.

لذلك سنعقد اجتماعيّا وزاريّا هذا المساء لوضع الإجراءات الكفيلة بتحسين ظروف نقل العاملات الفلاحيات، وذلك بناء على تضافر جهود جميع المتدخلين من وزارات ومنظمات وطنيّة معنيّة وقطاع خصّ وجمعيّات متدخلة في المجال.

كما يجب العمل في الفترة القادمة على تعميم البرنامج المندمج لمقاومة التسرّب المدرسي لدى الفتيات في المناطق الريفيّة، والخطة الوطنيّة للتربية الإجتماعية ومحو الأميّة.

إنّ تونس ما تزال في مرحلة لبناء ديمقراطية ناشئة، وبصدد وضع أسس نظام مركزي يثمّن دور المواطن في وضع البرامج التنمويّة وفق مقاربة تشاركيّة وتشاوريّة بنّاءة تلعب فيها جميع القوى الحيّة دورا محوريّا.

وانطلاقا من الدور المنوط بعهدة المرأة التي تمثّل نصف المجتمع، ونسبة هامّة من الكفاءات والطاقات البشريّة الخلاّقة، يجب العمل على تدعيم قدرات النساء القياديات للمشاركة في الإنتخابات البلدية، ورفع الوعي لدى جميع الفئات النسائيّة خاصّة في الوسط الريفي، وتحسيسهنّ بدورهنّ كمواطنات لهنّ الحق في التعبير عن آرائهنّ ولهنّ حقّ الإختيار والمساهمة في إدارة الشأن العام.

إن حكومة الوحدة الوطنيّة قد قطعت عهدا على نفسها بضمان حقوق المرأة والإلتزام بتنفيذ ما ورد في دستور الجمهورية الثانية، وإرادتنا في ذلك قويّة من أجل بناء مجتمع سليم تتكامل فيه الأدوار بين النساء والجال، ويعتمد على كلّ الطاقات التي بإمكانها تحقيق التنمية الشاملة.

وما أحوجنا حاليّة لكلّ السّواعد بهدف الإستجابة السريعة لإنتظارات شعبنا وإعادة بناء اقتصادنا الوطني في إطار التنمية الشاملة والمستدامة والعادلة، والتي لا تهميش فيها ولا اقصاء لأيّ فرد.

فنحن واعون تماما بأنّ تمكين المرأة لا يقتصر على توفير الأرضية القانونيّة والماديّة فحسب، بل يستوجب توجيه جهد خاص للعمل على تغيير العقليات وإخراج المرأة من الصورة النمطيّة التي انحصرت داخلها، والتي تحول دون تمتعها التام بحقوقها، وتأمينها الكلي لواجباتها كمواطنة مساهمة فعليّا في بناء هذا الوطن.

والعمل على تغيير العقليّات يستوجب تضافر جهود الجميع، انطلاقا من المرأة ذاتها، مرورا بهياكل الدولة ومكونات المجتمع المدني، وطبعا بوسائل الإعلام.

 

كلّ عام وانتنّ بخير، كلّ عام ونساء تونس بخير.

 

الجمهوريّة التونسيّة

رئاسة الحكومة

مصالح الاعلام والاتصال

تـونس، في 08 مارس 2017